سيد محمد طنطاوي

564

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

2 - أن الرحلة في طلب العلم من صفات العقلاء . فموسى - عليه السلام - وهو من أولى العزم من الرسل ، تجشم المشاق والمتاعب لكي يلتقى بالرجل الصالح لينتفع بعلمه ، وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله - تعالى - حكاية عنه : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً . قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية : في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم ، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم . وذلك كان دأب السلف الصالح ، وبسبب ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح : وحصلوا على السعي الناجح ، فرسخت لهم في العلوم أقدام . وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام . قال البخاري : ورحل جابر بن عبد اللَّه مسيرة شهر إلى عبد اللَّه بن أنيس في طلب حديث « 1 » . 3 - جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية ، كالجوع والعطش والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه : آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ورد عليه فتاه بقوله : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه . . . وفي هذا الرد - أيضا - من الأدب ما فيه ، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان ، وإن كان الكل بقضاء اللَّه - تعالى - وقدره . 4 - أن العلم على قسمين : علم مكتسب يدركه الإنسان باجتهاده وتحصيله . . بعد عون اللَّه تعالى - له . وعلم لدني يهبه اللَّه - سبحانه - لمن يشاء من عباده فقد قال - تعالى - في شأن الخضر وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أي : علما خاصا أطلعه اللَّه عليه يشمل بعض الأمور الغيبية . 5 - أن على المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم ، وأن يخاطبه بأرق العبارات وألطفها ، حتى يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح . قال بعض العلماء ما ملخصه : وتأمل ما حكاه اللَّه عن موسى في قوله للخضر : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً فقد أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة ، فكأنه يقول له : هل تأذن لي في ذلك أولا ، مع إقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 11 .